ابن عطية الأندلسي

443

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

جمهور الناس « الحواريّون » بتشديد الياء ، واحدهم - حواريّ - وليست بياء نسب وإنما هي كياء كرسي ، وقرأ إبراهيم النخعي وأبو بكر الثقفي : « الحواريون » مخففة الياء في جميع القرآن ، قال أبو الفتح : العرب تعاف ضمة الياء الخفيفة المكسور ما قبلها وتمتنع منها ، ومتى جاءت في نحو قولهم ، العاديون والقاضيون والساعيون أعلت بأن تستثقل الضمة فتسكن الياء وتنقل حركتها ثم تحذف لسكونها وسكون الواو بعدها فيجيء العادون ونحوه ، فكان يجب على هذا أن يقال ، الحوارون ، لكن وجه القراءة على ضعفها أن الياء خففت استثقالا لتضعيفها وحملت الضمة دلالة على أن التشديد مراد ، إذ التشديد محتمل للضمة ، وهذا كما ذهب أبو الحسن في تخفيف يستهزءون إلى أن أخلص الهمزة ياء البتة وحملها الضمة تذكر الحال المرادة فيها . وقول الحواريين : وَاشْهَدْ يحتمل أن يكون خطابا لعيسى عليه السلام ، أي اشهد لنا عند اللّه ، ويحتمل أن يكون خطابا للّه تعالى كما تقول : أنا أشهد اللّه على كذا ، إذا عزمت وبالغت في الالتزام ، ومنه قول النبي عليه السلام في حجة الوداع : اللهم اشهد ، قال الطبري : وفي هذه الآية توبيخ لنصارى نجران ، أي هذه مقالة الأسلاف المؤمنين بعيسى ، لا ما تقولونه أنتم ، يا من يدعي له الألوهية . وقولهم : رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ يريدون الإنجيل وآيات عيسى ، و الرَّسُولَ عيسى عليه السلام ، وقولهم : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ عبارة عن الرغبة في أن يكونوا عنده في عداد من شهد بالحق من مؤمني الأمم ، ولما كان البشر يقيد ما يحتاج إلى علمه وتحقيقه في ثاني حال بالكتاب ، عبروا عن فعل اللّه بهم ذلك وقال ابن عباس : قولهم مَعَ الشَّاهِدِينَ معناه اجعلنا من أمة محمد عليه السلام في أن نكون ممن يشهد على الناس . ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرين بعيسى فقال : وَمَكَرُوا يريد تحيلهم في أخذ عيسى للقتل بزعمهم ، ويروى أنهم تحيلوا له ، وأذكوا عليه العيون حتى دخل هو والحواريون بيتا فأخذوهم فيه ، فهذا مكر بني إسرائيل ، وجازاهم اللّه تعالى بأن طرح شبه عيسى على أحد الحواريين ورفع عيسى ، وأعقب بني إسرائيل مذلة وهوانا في الدنيا والآخرة ، فهذه العقوبة هي التي سماها اللّه مكرا في قوله وَمَكَرَ اللَّهُ وهذا مهيع أن تسمى العقوبة باسم الذنب وإن لم تكن في معناه ، وعلى هذا فسر جمهور المفسرين الآية ، وعلى أن عيسى قال للحواريين : من يصبر فيلقى عليه شبهي فيقتل وله الجنة ؟ فقال أحدهم - أنا - فكان ذلك ، وروى قوم أن بني إسرائيل دست يهوديا جاسوسا على عيسى حتى صحبه ودلهم عليه ودخل معه البيت فلما أحيط بهم ألقى اللّه شبه عيسى على ذلك الرجل اليهودي فأخذ وصلب ، فهذا معنى قوله : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وهذه أيضا تسمية عقوبة باسم الذنب ، والمكر في اللغة ، السعي على الإنسان دون أن يظهر له ذلك ، بل أن يبطن الماكر ضد ما يبدي ، وقوله وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ معناه في أنه فاعل في حق في ذلك ، والماكر من البشر فاعل باطل في الأغلب ، لأنه في الأباطيل يحتاج إلى التحيل ، واللّه سبحانه أشد بطشا وأنفذ إرادة ، فهو خير من جهات لا تحصى ، لا إله إلا هو ، وذكر حصر عيسى عليه السلام ، وعدة أصحابه به وأمر الشبه وغير ذلك من أمره سيأتي في موضعه إن شاء اللّه تعالى .